المخالفة الحقيقية: أداء المرور السعودي
30 مايو 2010تم تطبيق نظام ساهر المروري قبل أسابيع وسط ضجة بين المؤيدين و المنتقدين لنظام المخالفات. ما لفت نظري في الموضوع أن العديد اشتكى من حصوله على مخالفات لم يفعلها, و برر أحدهم في منتدى أن نظام ساهر يحتسب مخالفات مجهولة لدى الكثيرين مثل عدم الوقوف عند الإشارة لثانيتين على الأقل في المسار الأيمن قبل الانعطاف يمينا, وإلا ستحسب عليك كقطع إشارة!
ما دفعني لكتابة هذه التدوينة هو بنظري ما كان يجب الحديث عنه قبل نظام ساهر -و بعده!- و تحديد المشكلة الحقيقية وراء حوادث السير في المملكة, ذلك بناء على تجربتي للقيادة داخل أرامكو و لاختبار الحصول على رخصة قيادة سيارات الشركة, و مقارنتها بالقيادة خارج أسوار الشركة و حصولي على رخصة القيادة العادية من المرور السعودي.
المرور داخل أرامكو السعودية
عندما كنت في أرامكو ألزمنا قسمنا بأخذ اختبار القيادة تحسينا لمستوى قيادة الموظفين, لا لأجل قيادة سيارات أرامكو تحديدا. و اعتقد أن الكثير سمع عن صرامة مرور أرامكو داخل أسوار الشركة، فالمرور تجده في كل مكان, و أجهزة قياس السرعة بلوحاتها الالكترونية موجودة على جنبات أغلب الطرق, حتى تنبهك قبل أن تنبه المرور بسرعتك, و يتم إرسال مخالفاتك لرئيسك بالعمل -ليقوم بتوبيخك! فالجميع هناك يخاف ارتكاب المخالفات, ناهيك عن المخالفة المعروفة و التي لا يجرأ الموظفون افتعالها و هي “عدم الوقوف عند لوحة قف حتى ولو كان التقاطع خاليا تماما من السيارات!” و الوقوف يعني أن لا تتدور عجلات السيارة نهائيا و ثابتة في مكانها!
خلت في بداية انضمامي لأرامكو أن هناك نوع من الفوبيا تعم أجواء الشركة من حوادث المرور, لكن اتضح لي بعد فترة أنها تتبع قواعد السلامة المرورية المتبعة في أغلب الدول و ما نحن إلا بشاذين عنهم! اندهشت أكثر عندما ذهبت لمحاضرة رخصة القيادة في أرامكو, ففيها من المعلومات القيمة و المهمة عن القيادة و التي لم أعرفها و غيري مسبقا (رغم أن الفيديوات المعروضة كانت من قديم الزمان تعود لبدايات ١٤٠٠هـ!). منها ما شد انتباهنا هو أن الانعطاف يمينا عند إشارة حمراء كما يفعل الجميع هنا ما هو إلا مخالفة لنظام المرور السعودي (و العالمي أيضا)! ما لم تكن هناك علامة المثلث المقلوب الحمراء (الأفضلية) و تعني يمكنك الانعطاف لكن انتبه و توقف إذا كان هناك سيارات مارة!
جادلنا ملقي المحاضرة, كيف هي مخالفة؟ كثير ما فعلنها و أمام أعين المرور أيضا, فأجاب بأنه يمكننا الرجوع لنظام المرور السعودي و التأكد بأنفسنا, و لا تعني العادة التي جرينا عليها “نحن و المرور” بأنها ليست مخالفة. النكتة أن زميلي ذكر لنا قصة مخالفة حدثت أمام عينيه, حيث أن رجل المرور أعطى مخالفة لرجل مصري وقف في المسار الأيمن و الإشارة حمراء و لم ينعطف يمينا, فقاموا من خلفه بضرب “البواري” استنكارا, فجاء رجل المرور و أعطاه مخالفة لعدم انعطافه يمينا و تعطيله للسير!
كان اختبار القيادة عبارة عن يومين, يوم محاضرة كامل (من الثامنة صباحا و حتى الثالثة عصر!) و ينتهي بامتحان ورقي, و اليوم الثاني امتحان عملي. على ما أذكر يجب على الحصول على ٨٠٪ من درجة الامتحان الورقي للنجاح, أما الامتحان العملي فسيقوم المرشد بمراقبة قيادتك و تسجيل الملاحظات, و هناك سبعة أخطاء إذا فعلت إحداها فأنك ترسب مباشرة دون نقاش, مثل قطع الإشارة الحمراء و عدم ربط الحزام.
الامتحان العملي كان طويلا نسبيا و أخذ حوالي الساعة, كان الجزء الأول منه في داخل مضمار تعليم القيادة, شمل ذلك تشييك زيت السيارة، التشييك على مثلثات الأمان! التشييك على كافة جوانب السيارة الخارجية, كيف أركن السيارة في المواقف مرتين (مرة قدام و مرة ريوس!), كيف أخرج من الموقف, الوقوف عن التقاطعات و الإشارات، و السرعة داخل المضمار. و لم أخلوا من سماع الملاحظات و النصائح التي وجهها المرشد.
القسم الثاني كان خارج المضمار في أحياء أرامكو, و “امتحني فعلا”! فقد كدت أرسب لأني غيرت مساري للمسار الأيسر دون أن أضرب إشارة و دون أن أخذ نظرة خاطفة لليسار لكشف البقعة العمياء Blind Spot!
قيادتي تحسنت بكثيرا بفضل قوانين و صرامة و “تدريس” أرامكو, لكن لكل شيء إيجابيته و سلبياته, فقد أصبح فقدان أعصابي أسهل :s على الذين يرتكبون المخالفات بجرأة و دون أن يدركوا أنها مخالفات أصلا (مثل اللي يمشي على الخط الأصفر و يشطفك فجأة!), و على من “يكبس” أو “يلحم” لأني حسبا لمقاييسه أسيرا ببطء, فعذرا يامن خلفي, لن أتعدى الـ ١٢٠!!
المرور السعودي
بالمقارنة, استرجع ذكريات استخراجي لرخصة القيادة من المرور السعودي.. فاختبار الرخصة كلف أوراق وزعت على الحاضرين ليدروسوها بأنفسهم, و محاضرة سريعة عنها, ثم اختبار بالحاسب الالي (تنكلوجيا)، ثم اختبار عملي أخذ مني دقيقة أو دقيقتين (على ما اذكر يعني), و كان عبارة عن “ربع لفة” حول مكان إصدار الرخص و قد كنا أربعة مختبرين في سيارة واحدة, فكملنا اللفة.
ساهر
الأن أريد أن أعود لموضوع ساهر, فالمشروع كلف أكثر من ملياري ريال سعودي، و لكن في نظري: ألم يكن الأجدر أن يصرف جزء من هذا المبلغ في تحسين نظام إصدار الرخص لدينا؟ في فتح العديد من مراكز اختبارت و إصدار الرخص؟
في توظيف المزيد من الكوادر المرورية و التي تعد نسبيا قليلة على حجم مدننا مقارنة بدول العالم؟
في تحسين كودار المرور و رفع مستواهم و التشديد عليهم؟
المشكلة الحقيقية هي
أن المرور السعودي لا يؤدي واجباته! فكثير منا رأي المخالفات تحدث أمام مرأى رجال المرور دون أن يحركوا ساكنا. ثم إنه أليس المرور هو من “رخص” لهؤلاء المجانين و العمالة القيادة في شوارع بلدنا؟؟ إذن من المسؤول الأول؟
و هل سبق و أن رأيت في أحد شوراع المملكة العربية السعودية سيارة مكتوب عليها “تعليم قيادة”؟؟؟ للأسف أننا نراها بكثرة في دول الجوار.
أليس من الأجدر قبل الحديث عن ساهر, قبل الحديث عن تهور الشباب, قبل الحديث عن قيادة العمالة السيئة, أن نلوم المرور أولا الذي أجاز لهم القيادة؟
هذا المقطع يشرح الكثير
أمل أن يستمر ساهر و يكون فعالا في تخفيض مستوى الحوادث و القيادة الجنونية, لكن أرى أنه من الظلم أن يدفع شعب قيمة باهضة لتعلميه قوانين المرور, التي لم يجد من يعلمه إياها قبل أن تصدر له رخصة بالقيادة! أو أن يجلس “يخمن” ما هي القوانين كمثال أخونا اعلاه في المنتدى عن مخالفة المسار الأيمن و غيره.
نهاية, إليكم هذا الفيلم القصير للمبدع علاء المكتوم حول حوادث السيارات في المملكة “إرهاب الشوارع”:


تنطلق مساء اليوم
راسلني
اتبعني على تويتر
أضفني في الفيسبوك





